عسر هضم سياسي..!
فيصل الصفواني
فيصل الصفواني
بعد انقضاء نهار طويل ومليء بالمتاعب والمعاناة التي تفرزها مشاهد الحياة اليومية أجدني ملزماً بالترنح أمام شاشة التلفاز كل مساء أتابع الأخبار وأتنقل بين القنوات الإخبارية، أتابع أخبار اليمن والمنطقة العربية التي أوشكت على السقوط الذريع في مستنقع الفوضى والمصادمات البدائية.. وبحكم أني صرت شبه مدمن أخبار وتحليلات سياسية من عدة قنوات أشعر بأني صرت مصاباً بعسر هضم شديد الوطأة.
والمشكلة أن عسر الهضم الذي أصابني ليس بسبب الأغذية التي أتناولها يومياً، بل أن مشكلتي الصحية تكمن في الأخبار التي أتابعها والتحاليل السياسية التي أتعاطاها كل مساء.

وربما لن أكون المهتم الوحيد الذي أصيبت معدته بعطب كبير بسبب إعلامي.. فعلاً أنا لست المتابع أو المهتم الوحيد الذي يعاني من عسر الهضم جراء الهذيان السياسي الذي تضخه عدة قنوات مع حلول كل مساء وكأنه علف يومي نحشي به عقولنا وبطوننا طيلة الليل.

نعم اكتشفت أن هناك الكثيرين من أمثالي الذين أصابهم نفس الداء خصوصاً و أن التوقيت المسائي يساعد كثيراً على انتشار عسر الهضم في أوساط المتابعين للقنوات الفضائية.

ويعزى هذا المرض إلى أن تلكم القنوات تستضيف أشخاصاً لا يتحدثون سوى عن أهوائهم ولا يضخون عبر الفضائيات سوى غبائهم وترهاتهم.

و أخص بالذكر المتحدثين عن المشهدين السوري والمصري باعتبارهما أهم مشهدين في المنطقة العربية نسبة لأهمية المكان ولعظمة الحدثين فيهما.. ومن عجائب الأمور في المشهد المصري على سبيل المثال، وأذكر مصر هنا على سبيل المثال لأنها لم تنزلق بعد إلى ما وصلت إليه الأمور في نظيرتها سوريا، وفي هذا المثال نجد أن المهتمين العقلاء من خارج مصر ومن غير العرب يحذرون من استمرارية تكريس الإقصاء السياسي ضد جماعة الإخوان المسلمين والإصرار على استدراجهم إلى العنف والإرهاب بشكل متعمد ومنظم من قبل الجهات الرسمية.

ويقول العقلاء من خارج المنطقة العربية إن مصر تسير نحو الهاوية و إنها قد تدخل في أتون حرب أهلية ودامية تهدد مستقبل مصر وأجيالها، إذا استمرت سياسة الإقصاء، بل وإن هذه السياسات والتوجهات تغتال أمن مصر واستقرارها يوماً بعد يوم.

لكننا نجد في مقابل الاهتمام الخارجي اهتماماً محلياً يتمثّل بمتحدثين مصريين يتحدثون عن بلادهم وأوضاعها بشيء واضح من اللامبالاة بل أنهم آخذين في تصعيد الأمور أكثر من غيرهم وكأنهم يستعجلون ساعة الانهيار بمحض إرادتهم.. إذ يبدو على غالبية المتحدثين في القنوات إنهم يجرّون مصر نحو حرب أهلية غير مكترثين بمصالحها ومستقبل أجيالها.

بالطبع هذا لا يعني عدم وجود حكماء في مصر لكن الحكماء السياسيين مقصيون من سطح خارطة الاهتمام العام، و إن وجدوا حالياً فهم قليلون والفضائيات التي تتبارى في عرض سياساتها لا تتيح لهم فرصة ولا تحتفي بهم احتفاؤها بالمهرجين والمرضى من جميع الأطراف.

والحقيقة إن إقصاء الحكماء وظهور مثل هؤلاء على سطح الاهتمام العام ليس غريباً ولا جديداً بقدر ما هو نتاج حتمي لتجربة حكم حسني مبارك على مدى ثلاثة عقود من الزمن.

فالواقع أن تجربة مبارك في مصر وصالح في اليمن والقذافي في ليبيا لم تنجح في أمرِ ما بقدر ما نجحت في تزييف الوعي وقتل الضمائر وتدمير العقول وتجهيل الناس المتعلمين، وتلكم هي مأساتنا الأكبر من تبعات الحكام السابقين في كل قطرِ على حدة.

لذلك نجد أن الطافون على السطح الإعلامي والسياسي حالياً في مصر هم شواهد على فشل تجربة مبارك في الحكم الذي أقصى الحكماء و صعد الغوغاء ونفس الشيء حدث في ليبيا، حتى صار ينطبق علينا قول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف
وتستقر بأقصى قاعه الدُررُ

ولعل أكثر ما يستفزني في هذا الخصوص هو أن تسمع أحد المذيعين وهو يقدم أحد ضيوفه من الغوغاء فيقول للمشاهدين: إن ضيفه رجل أكاديمي في جامعة عين شمس قسم العلوم السياسية، و آخر يقول إن ضيفه أكاديمي علم اجتماع.. وهكذا من انتحال الصفات الأكاديمية لأشخاص موغلين بالجهل والتغابي.. و أنت تتابع التعريف بهذه الشخصيات ستدرك جيداً مدى البؤس الذي وصلت إليه الصفة الأكاديمية و إلى أي حد بلغت رداءة مخرجات التعليم طيلة ثلاثة عقود مضت.

أما العقول المستنيرة فإما تجدها مهاجرة خارج الوطن وإما تجدها مقصية تماماً من مسرح الأحداث العامة ليس في مصر وحدها ولكن في معظم البلدان العربية.

Alsfwany29@yahoo.com


في الخميس 19 يونيو-حزيران 2014 01:19:43 ص

تجد هذا المقال في اليمن الحر
http://freeyemen.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://freeyemen.net/articles.php?id=643