من..ولماذا؟!
امين الوائلي
امين الوائلي


من أوجع قلب اليمن.. وفطر قلوب اليمنيين؟!
لماذا.. لم يتساءل أحد عن هوية الجناة ومآلات الجريمة؟!

* تحليل - أمين الوائلي/

•   "جمعة الشهداء".. كانت فارقة في مسار "الصراع" ومآلات الأزمة اليمنية. الاحداث الدامية وضعتنا في مواجهة صدمة عنيفة, هزت الذات اليمنية وأعملت الخراب والدمار في النفوس والضمائر وخلفت جبالا من الألم والغيض والمرارة واليأس ومشاعر مختلطة وغامضة كغموض ما حدث: كيف؟ من؟, ولماذا؟
http://www.al-tagheer.com/user_images/writers/22-12-09-772244303.jpeg
خسائر مضاعفة
•   لم يستفق اغلبنا ومعظم اليمنيين من هول الجريمة وفداحة الخسارة وصدمة الجمعة الدامية, يصعب –لحد الآن- التأقلم مع الفاجعة واستيعاب واقعية -أولا واقعية- المذبحة وأعداد الضحايا من الشهداء والجرحى, يصعب ايجاد تفسير واحد يشرح ما حدث, فضلا عن تبريره او حتى التعاطي معه بتحفظ وريبة؟!
تماما, مثلما انه يصعب السكوت او الاكتفاء بتجرع مرارة الصدمة بصمت لا يُبين وخشوع يشبه الذهول او بأمر منه!
الخسارة الفادحة التي مُنينا بها كشعب وأمة لا تقتصر فحسب على العدد الكبير للشهداء والجرحى وهو كبير بكل المقاييس, ولكننا سنخسر بلا حدود, والى ما لا نهاية اذا نحن اكتفينا, هنا ودائما, بإحصاء الخسائر وتشييع الضحايا في جنائز مهيبة وينتهي كل شيء هنا, حيث يجب ان يبدأ.. ونبدأ!
•   تتضاعف الخسائر وتتراكم أعداد الضحايا مع تضاعف القابلية –الجمعية- لتقبل الاحداث كما هي في الواجهة او في شاشة العرض وبالتالي تقبل التفسير الوحيد, المباشر, المجاني, للاحداث, كبيرها وصغيرها, هكذا نسمح بتكرار الفجائع وتوالي النكبات وافلات المجرمين الحقيقيين من العقاب, مرة بعد مرة بعد مرة.

السياق المعطل
•   ما حدث في الجمعة الدامية ليس عاديا ولا هينا بالمرة, ليس شيئا يمر كسابقاته وينساه الناس في اليوم التالي, ليس عنوانا مثيرا ومستفزا –لاغير- تعرضه قناة فضائية كخبر عاجل وتتلقفه وسائل الاعلام المختلفة, وتشتغل عليه المصادر والمراكز (الاعلامية والسياسية) باتجاه تشكيل رأي عام وتوجيهه بما يلبي شروط الصراع السياسي ويوجه سيلا متتابعا من "الضربات القاضية" باتجاه الخصم, تعجيلا بنهايته, او لمحاصرته بنهاية وحيدة وحتمية الظروف والشروط.
•   هول الفاجعة وفداحة الخسارة وكارثية المصاب وغرابة المشهد والواقعة برمتها كلها اسباب تحتم على العقلاء التوقف طويلا امام المشهد الفوضوي المعبأ بالموت والرصاص وبارود الفتنة الملعونة. وامعان النظر.. كرة إثر كرة في التفاصيل القريبة والبعيدة.. المرئية وغير المرئية, واستجلاء الاحتمالات والمآلات في المقدمات والنتائج ووضع الحدث المزلزل في سياقه, إذا كان البعض يحتمل القول بأن فاجعة الجمعة الدامية تتسق قليلا او كثيرا مع السياق العام لأحداث الازمة اليمنية منذ اكثر من شهر على وقوع المذبحة؟!
•   جريمة بشعة بكل المقاييس وانتحارية بالمطلق, كالتي هزت الوجدان اليمني وأصابته في العمق بمقتل, كيف يمكن السكوت عنها او التعامل معها بنفس الطريقة والآلية وبنفس الخطاب الاستتباعي, المقيم في الإدانة السطحية المباشرة واستثمار الحادثة –كسابقاتها الاقل صخبا وفداحة وأثرا- في اطلاق, المزيد من الاتهامات التحريضية المستعملة والجاهزة, من راجمات الصواريخ الاعلامية والسياسية, تماما كما لو كنا نتعامل مع احداث سابقة, محدودة الاثر, كثيرة الدوي الصاخب ومحدودة الضحايا وقليلة او نادرة المصاب, كماً ونوعا؟!

 

أليس غريبا ومريبا أن أحدا لم يشأ أن يستيقن او يتساءل: كيف ولماذا حدث هذا؟ ومن المستفيد أكثر من غيره من تفجير صاعق القنبلة-الفتنة ونسف احتمالات الانفراج الأقل كلفة بعدما أوشكت أن تثمر؟!
أسئلة "مُحرَّمة"..
•   يكاد الأمر يصل حد الخيانة لدماء الشهداء والضحايا عندما لا تجد صوتا واحدا يسترجع الحادثة بتفاصيلها ويمارس فضيلة الفضول في هذا الوقت والتوقيت, يسأل نفسه –أولا- قبل أن يشرك آخرين معه: كيف حدث هذا؟ ولماذا حدث؟ ومن وراءه؟ ومن المستفيد؟ ومن يمكن ان يستفيد, اكثر من غيره, في هذه الحالة العنفية, المصنوعة بعناية وقصدية, لخنق اللحظة الحرجة, وتفجير صاعق القنبلة- الفتنة, ونسف احتمالات الانفراج الاقل كلفة وإيصال الامور الى نهايتها المحتومة؟!
•   لا أحد امتلك الهدوء الكافي او الصدمة المجردة, يسأل عن مآلات الصراع بالدم, وبالطريقة التي يُراد لها ان تتم وتكون وبحسب اولويات وافضليات مراكز بعينها ولاعبين مؤثرين في إدارة الصراع برمته والازمة من أساسها منذ البداية؟! وليس بالطريقة الفُضلى الممكنة والمواتية, الاحفظ لمصلحة الجماعة والأليق بجميع الاطراف وخصوصا الطرف (الأقوى/الأضعف) في هذه المعادلة الحرجة, حيث يقف الرئيس علي عبدالله صالح وحيدا إلا قليلا او شبه وحيد, بين طرفي نقيض كلاهما يستهدفه, باستهداف بعضهما لبعض من طريق الاجهاز والفتك وكلاهما يتوسل به للتوصل الى اهدافهما الذاتية وغاياتهما من وراء دحرجة دولاب الصراع في شوارع وساحات التصعيد والفلتان!!
http://farm6.static.flickr.com/5218/5537864677_76b6fa332b.jpg
•   وحيث كف الناس عن التساؤل والاستفسار واستخدام الخبرة الذاتية وحق الشك والتشكيك المشروع تماما في مثل هكذا أحوال ومفترقات طرق واهوال, من اجل التمركز الذاتي حول محورية الذات العاقلة المستقلة المفكرة والمحايدة, قبل بناء القراءة الخاصة والمتماسكة للحدث المزلزل وتحديد موقعه الطبيعي الى سياق الاحداث والتداعيات السابقة وسياقها العام؟!
•   كان الجميع على أهبة الاستعداد للتضحية بجميع مكتسبات الحرية والاستقلالية والتجرد في استقبال الواقع ومشاهده وشخوصه وتداعياته الصارخة والصاخبة, واعادة البناء والتركيب وعرض الجميع على محكمة العقل النقدي المفكر والمحلل واستخدام منهجية محددة في قراءة الاحداث من جهة (الاستقراء) وفي استخلاص النتائج وتركيب الفرضيات الاحتمالية الموثوقة والاقرب الى الواقع ومعقولية المقدمات من جهة ثانية (الاستنباط), هذا لم يحدث ابدا, ليس في حالة الجمعة الدامية فقط, وانما تكرر قبلها في حالات مشابهة كثيرة ومتعددة استسلم الرأي العام خلالها لما تُقدم له من تفسيرات حصرية وقراءات موجهة وقسرية عبر الاعلام والخطاب السياسي- تأخذ بأفكار الناس وتحشد عواطفهم واعصابهم وتحصرها في قالب وحيد وباتجاه واحد وحتمي: ادانة الخصم وتجريمه, الجميع مارس ويمارس هذه اللعبة الانتهازية المجرمة وضلل الرأي العام كثيرا وعبأ الشارع بمشاعر الكراهية والبغض بعضه ضد بعض.
•   ولكن واقعة الجمعة الدامية يجب ان تهز عقول العقلاء وقد هزت الضمائر والقلوب, ويجب ان تعلمنا التفكير بمعزل عن الآخرين وعما يُملى علينا ويقدم لنا على طبق العادة وقد رأينا الرصاص الغادر يغتال شبابنا جهارا نهارا, دون سبب يمكنه ان يفسر جزءا يسيرا من تلك الجرأة المجنونة في ممارسة القتل وتوزيع الموت على اكبر عدد ممكن من الشباب المسالمين الُعزل.

متهم.. وجناة
•   والآن: من قتلنا بلا رحمة او شفقة ظهيرة جمعة الدم الفائتة؟ من قتل العشرات من شبابنا وأصاب المئات امام بصر العالم وسمعه وصب على رؤوسنا موتا وفاجعة لم نختبر مثلها في حياتنا كيمنيين؟! من يمكنه ان يفعل ذلك, ان يمتلك الجرأة والحافز للإقدام على ارتكاب مذبحة علنية, كان منفذوها حريصون أشد الحرص ان تكون سافرة كافرة ومميتة بلا حدود, تفجر الفتنة وتطلق يدها في الارجاء وتجيش مشاعر الصدمة والرفض والغضب باتجاه واحد وفي طريق واحد, طالما والمتهم حُدد سلفا ولن يسأل أحد إن كان الوقت يتسع لاستئناف الحكم وبناء معطياته من جديد؟!


مراكز قوى تدير الصراع (بلا محرمات) وخصوم ينصبون الفخاخ والمصائد (بلا حرمات).. ونظام –مثالي: لديه القابلية والجاهزية لمساعدة خصومه وتمكينهم من رقبته, عندها يمكن استهداف "النهاية" بضربة واحدة:
"ضربة قاصمة"
•   لربما أبسط الأشياء تكون –أحيانا- الأصعب على الإطلاق؟ ولربما أصعب الظروف تحتمل قراءات وتحليلات صعبة وقرارات أصعب وأخطر, يفضلها الناس في حالات فارقة وصارمة وأحوال مؤلمة ومستفزة, خصوصا اذا كانت تتعلق بصراع ما, بينما تجد لها أفضل القراءات والقرارات والتفسيرات وربما أصدقها بالأحرى في ابسط الأفكار واقلها صعوبة وشططا وتعبوية!!
•   لربما كان الطرف –المجرم الحقيقي- الذي دبَّر, وأمر, ونفذ مذبحة الجمعة الدامية يريد هذا ويعنيه؟ يدرك ان الصدمة وحدها ستكون اكثر من كافية لحشد الغضب والنقمة باتجاه وحيد ومحدد سلفا, بل ويجد هذا الرأي استساغة وقبولا عاطفيا وحسيا لدى المحتشدين خصوصا, ويتولى الاعلام الموجه صناعة الحالة نفسها او مثلها للتكفل ببقية الرأي العام او معظمه؟ وهذا هو ما حدث تماما, للأسف الشديد! ومن أسف أكثر واكبر ان الطرف الآخر المستهدف بالنتيجة, ساعد الى حد بعيد –قصد أو لم يقصد- في تمكين خصومه من نفسه والتصرف بطريقة تائهة تماما وغائبة عن خطورة اللحظة وكارثية الحدث-الإدانة, الأمر الذي أشاع جوا من الإطباق الجمعي في الإدانة المسبقة!!
•   لم يعد مهما ولا مطلوبا انتظار الحصول على أدلة وشهادات وإثباتات قطعية الدلالة تقيم الحجة وتؤكدها الإدانة, سيما في حادثة مروعة وفي واقعة دموية وكارثية بهذا الحجم وبتلك الخطورة والإغراق في الدم! أحد من العقلاء في سائر المواقع والمراكز والجهات والمسميات, لم يتورع عن الخوض في مآلات الفتنة وتكريسها. ولم يجد الوقت مناسبا وضروريا لطرح السؤال المباشر والبسيط والأخطر على الإطلاق: من فعلها؟ ولماذا؟
من السهولة والعقم, بمكان الاندماج في السائد والسهل والجاهز والمباشر من التفسيرات والاتهامات, هذه مهمة عقيمة, ورائجة واستخدمت بامتياز في الازمة اليمنية, وخصوصا في الجمعة الماضية!!
http://t0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSWcV4-_YKAtH09bwHUCqZc4K64t1Ku-73R4H6xseCvMxUmIU10&t=1
جوهر الأزمة
•   لكن جوهر الازمة الحقيقية يتمثل في قدرة مراكز القوى (المعنية بإدارة وتصعيد الصراع السياسي وتصفية الحسابات الخاصة في الشارع وعلى حساب المواطنين المسالمين والشباب الابرياء والمجتمع بأسره وعلى حساب الحقيقة والعدالة والنزاهة والامانة) وجرأتها, في اقتراف الخطاب واستباحة محرمات الدم والفتنة والسلم الأهلي, وفي صناعة مشاهد دامية ومناسبات كارثية مدمرة, لحسم مسارات الصراع والتأثير في مجرياته واستهداف النهاية مهما كانت الوسائل والأثمان التي يجب التضحية بها في الشارع؟!!
•   لا أحد يفكر هنا بتبييض صفحة النظام او تبرئة ذمته من مذبحة الجمعة الأخيرة, مؤكد لو أراد أو استطاع النظام فسوف يدفع عن نفسه بنفسه ويبرئ ذمته ومسؤوليته. وهو الى الآن لم يفعل ويتصرف بتساهل غريب وبتجاهل مستفز مع كونه تعرض لضربة قاسية وقاتلة لم ينل مثلها وبحجم خطورتها وسوئها من قبل. وبرغم هذا اكتفى النظام بتمرير الضربة واستسلم للانخطاف شبه الكامل عن كفاءة التصرف مع الصدمة العنيفة والضربة التي تلقاها!
وهنا نعثر على الجزء الآخر المكون لجوهر الأزمة الحقيقية في اليمن.
•   نعرف الآن مثلا: ان ثمة خصوما ومراكز قوى تدير صراعاتها بوحشية ودموية في الشارع وتقترف الفضائع على سبيل الكيد والمؤامرة ونصب الفخاخ ومحاصرة الهدف الأخير والكبير بالإدانات والضربات والمشانق, واستنزاف رصيده وسمعته وقدرته على التحمل والصمود أكثر, ونعرف ان ثمة نظاما –مثاليا- لديه القابلية والاستعداد لمساعدة خصومه وتمكينهم من رقبته ورأسه, يفعل كل شيء لمساعدة خصومه والمتربصين به ولا يفعل شيئا ذا بال أو أهمية لمساعدة نفسه وإنقاذ الجزء الأهم والأخير والأخطر من سمعته ورصيده الشعبي والإنساني والأخلاقي وموقعه المفترض في التاريخ؟!


(ورطة) التفسير الرسمي, المريب كالعادة: هل يتواطأ النظام ضد نفسه؟!
ثمن الخروج من "بركة الدَّم"!!
هل يُعقل ان يكون النظام, أو المكون الأخير المتبقي والحتمي من النظام, الذي يتعرض للضربات المتتالية والخيانات العميقة, هل يُعقل ان يكتفي في مواجهة فاجعة وقاصمة الجمعة الدامية وما اعقبها من هزات وتداعيات بالتفسير المميت والانتحاري وإعادة الحادثة الى "مواجهات مع الأهالي" مرة, او اشارة سياسية مترددة وعلى استحياء الى مسؤولية "احزاب اللقاء المشترك" المباشرة او غير المباشرة مرة أخرى؟! ودائما يقال هذا الكلام بطريقة يستحيل إلا أن تفهم منها ان النظام نفسه غير مقتنع بالمرة بهذه او تلك؟ ا وان لديه شرحا افضل لمكيدة اشمل؟! أين تكمن المشكلة؟!
التفسير الذي عرضه الجانب الرسمي حتى الآن لا يقدم سوى إدانة مركبة لنفسه, ولا يعبأ على الإطلاق بالخطأ الذي يمثله هذا الموقف والخطورة التي يمثلها موقفه –اللامفهوم من الحادثة برمتها. هذا الدم الذي سفك بلا رحمة وهذه الارواح التي أزهقت على مرأى ومسمع من العالم وتلك الجرأة والبشاعة والقصدية في استباحة القتل وحصد الضحايا والقنص المباشر في الرأس والصدر ومواضع قاتلة, كلها تمثل تركيبة سحرية لوصفة نهائية عن كيفية الاجهاز على "رأس النظام" وحرمانه من فرصة وحيدة لتجاوز الامتحان والخروج بأقل التكاليف وبطريقة لائقة ومأمونة العاقبة!
بشكل مباشر وواضح هذا هو المعطى الوحيد والنتيجة الوحيدة المتوافرة عن حادثة الجمعة وما تؤدي اليه, بل وهذا هو ما عملت له وتعمل فيه جميع المعطيات والتداعيات اللاحقة, بحيث تكرست فرضية الادانة القاصمة بالمسؤولية المباشرة الحصرية الوحيدة عن مذبحة قادسية صنعاء وساحة الجامعة.
هل النظام يشك في حتمية القراءة السابقة؟ هذا غير متوقع, بل انه يدرك ان الخطر أبعد وأفدح من ذلك.
http://farm6.static.flickr.com/5057/5537857505_74001ee957.jpg
حاصر.. حصارك!
ولكن لماذا لم يحاول ولا يحاول الى الآن, الدفع باتجاه محاصرة محاصريه ومحاصرة بركة الدم التي نصبت له والتصرف بالطريقة الوحيدة المتوقعة والمنتظرة منه وهي: إعطاء الشرح والتفسير الحقيقي لما حدث, عبر لجنة محايدة وتحقيق عادل وعاجل يكشف الحقائق للرأي العام ويسمي الجناة بأسمائهم الحقيقية, أيا كانوا وكانت مواقعهم ومراكزهم, وعرضهم على محاكمة مستعجلة وملاحقة جميع الفاعلين والمشاركين والمنفذين, وإقناع الرأي العام بصدقية وشفافية ونزاهة التحقيقات والنتائج.
ليس هذا بكثير حتى وان كان فلابد منه لإقناع اليمنيين بالتفسير الحقيقي وهوية الجناة ومآربهم وكشف الحقيقة أمام العالم, لا يمكن ان يتحمل الرئيس علي عبدالله صالح مسؤولية الدم الذي سفك وهو بريء منه والى الآن وجميع المؤسسات والسلطات الامنية والعدلية لم تقترح تفسيرا يمكن اعتباره او البناء عليه, بل لم تقدم بيانا واحدا إزاء ما حدث على فداحته وخطورة مآلاته؟!


في وقت لاحق وذات "خريف" يمني غير بعيد: سيذكر اليمنيون "الرئيس السابق" وسيتذكرون الفارق بين "الصالح".. والطالح
الرئيس.. بصدد المعركة الأخيرة!
"جمعة الدم" استهدفت الرئيس مباشرة وبوسعه أن ينصف نفسه ويستقوي بـ"الحقيقة" ضد "مراكز القوى" التي تدير حربها الآن ضده وتستهدفه في "التاريخ" بلا رحمة!
http://www.abna.ir/a/uploads/104/2/104280.jpg
دعونا نُجمل تفاصيل سابقة وكثيرة في كلمات قليلة:
-   بركة دم نصبت ومذبحة حدثت دون مبرر ودون سبب يمكن المحاججة به او عنه. كان القتل وسيلة وغاية. العلنية جزء من مشهد دموي مقصود وأخرج بتوقيته المحدد لضرب كل محاولات وجهود الوساطة بين أطراف الازمة وإفشال توافق وشيك كانت المساعي السعودية-الخليجية قريبة من إنضاجه بكفاءة ومأمونية!
•   ثمة أطراف ومراكز قوى –في السلطة وخارجها- ساءها المسعى الخليجي وإمكانية الانفراج, فسرعت من وتيرة استهداف الانفراج والرئيس شخصيا؛ فكانت مجزرة الجمعة. بصورة أكيدة ومرصودة تفجر الغضب من كل مكان, كانت المعارضة جاهزة تماما وفي الموعد لإطلاق الرصاصة الاخيرة والقاضية باتجاه شخص الرئيس وتحميله "شخصيا" المسؤولية عن واقعة الجمعة, صعدت مصادر ووسائل المعارضة وخصوصا حزب الإصلاح وعلى رأسها قناة "سهيل" من خطابها ولهجتها ضد الرئيس. نقطة التحول الانقلابي في كل شيء, حدثت.. وتغير كل شيء بصورة مرعبة ولم يتوقف الانحدار.
الجزيرة وأخواتها –خصوصا المنار والعالم- تكفلت بالرأي العام العربي والدولي من اللحظة الاولى كان الخبر يتحدث عن "مجزرة جديدة نفذها النظام اليمني"!
كيف عرفت الجزيرة ذلك؟
العالم استمرت في الإشارة الى "المجزرة" لأيام لاحقة عبر شريطها الخبري أسفل الشاشة ونسبت المجزرة الى "النظام اليمني عبر عناصر الأمن" وقريبا من ذلك فعلت المنار (الشقيقة الصغرى للعالم!)
تكوّن رأي عام –في الداخل والخارج- حول الحادثة الفاجعة وصوب الرئاسة والرئيس شخصيا بالإدانة المباشرة, في المقابل الجهات الامنية والرسمية فشلت في التعامل المهني الشفاف والمسؤول مع الواقعة, لم تقدم تفسيرا مقنعا ولم تتعاط مع الحدث والرأي العام باحترام واحترافية, والاعلام الرسمي هو الآخر, وكأنه كان يتآمر ضد الرئيس, فعل الأسوأ من كل شيء ولم يحاول أبدا ان يسأل: من؟ ولماذا؟
•   وحينما ظهر الرئيس في المساء كان الوقت قد تأخر بعض الشيء, زيادة عن ان الرئيس بدا متأثرا وغبار الحزن والصدمة باد عليه ومعهما كان كلامه عاما ومتحفظا وما كنا نتوقع ان تسمعه منه لم نحصل عليه. إعادة الرئيس لمضمون رواية المصدر الأمني وتفسيره لما حدث جعلنا, وكثيرين نتحسر على الرئيس كونه يضحي بنفسه في لحظة حرجة وظرف شديد الخطورة ولديه اكثر من خيار للتحفظ على النتائج حتى تستكمل التحقيقات, وليته فعل. وليت التحقيقات تقوم بواجبها سريعا وعلى أكمل وجه! وليتها بعد هذا كله تعلن على الرأي العام بشفافية! ليت الرئيس صالح ينصف نفسه, هذه المرة تحديدا لأنها ليست كغيرها, ويحرض على كشف الملابسات والوصول الى الحقيقة –الحقيقية- وإسعاف اليمنيين بها حتى يعتدل الميزان, وحتى تتحدد المواقف والمراكز والمواقع والمسؤوليات. وليكن الثمن ما يكون, فليس هناك ثمن افدح ولا أسوأ من ضياع الحقيقة واستتار المجرمين وتواريهم عن الأعين خلف مسوح البطولة والنزاهة وصفات المنقذين الاخيار. بينما الرئيس يبذل تاريخه وذمته ويقبل على نفسه ان يُقال بحقه ما يقال, وتناله خيانات وطعنات ومكائد ومؤامرات –ليست آخرها فعلة الجمعة- ولا ينتصر لنفسه مرة او يستقوي بالحقيقة واعلانها على الناس ليعرف الناس كم من الذئاب تتخفى وراء الوجوه الآدمية, وكيف تدار في الشوارع والساحات حروب المكائد والمصائد ومراكز القوى ويُحشد الشعب لها, باسم الشعب وباسم التغيير وباسم الاصلاح والتثوير!

الأخيرة.. جولة الحسم!!
•   أتصور ان حادثة الجمعة مثلت مفترقا عميقا ونهائيا لطرق شتى وفرق كثيرة وتوجت تحولا جوهريا في مسار الاحداث ومسارات اليمن وحسابات أطراف الصراع السياسي, وينبغي ان تكون كذلك أيضا وان تمثل التحول الحاسم في مقاربات ومفارقات "الراقص على رؤوس الثعابين". لا شيء بعد الآن اهم من الحقيقة ولا مكاسب أثمن من التاريخ, ولا رصيد أنفع وأبقى من التصالح مع الثقة الشعبية وضمير الجمهور وذاكرة الوطن!!
•   بوسع الرئيس علي عبدالله صالح ان ينصف نفسه ويدافع عن تاريخه وعن بقائه في التاريخ. جميع القرارات والتضحيات (العلائقية, والشخصية, والتحالفات التقليدية, ومراكز القوى الانتهازية والاعتبارات القبلية وغيرها), التي يجب بذلها ودفعها في سبيل الانتصار لليمن وانتشاله من قبضة المجهول ومن بين ايدي الانتهازيين والقوى الرجعية المتكالبة والمتربصة باهتبال "الكعكعة" واعتلاء الوطن وتملكه, ليس كثيرا دفعها, والتضحية بها. من اجل اليمن والمستقبل ومن اجل اعطاء التاريخ الفرصة العادلة لتخليد من يستحق واعطاء كل ذي حق حقه! قبل الجولة الاخيرة بقليل, لتكن حاسمة بلا تحفظ, استحقاقا للتتويج النهائي!
•   في وقت لاحق, وذات خريف يمني ليس ببعيد, سيذكر الناس محاسن السابق, وسيتذكر اليمنيون الحقيقة التي غمت عليهم وحجبتها أدخنة الحرائق المفتعلة بكثرة من قبل عصابات وتحالفات مصلحية ومراكز قوى وجماعات حزبية وقبلية. جميعها أدارت حربا ليست شريفة بالمرة, وتقاسمت الادوار واستخدمت جميع الاسلحة المحرمة والقاتلة بما فيها الشارع المخدوع والمغلوب على أمره وطموحاته وتطلعاته, واستقطبت اليها الخيانات والمتخاذلين والمتساقطين استعجالا لنهاية عهد وبداية آخر وعندها سيذكر اليمنيون "الصالح" والطالح!!


* صحيفة اليمن
في الإثنين 28 مارس - آذار 2011 08:54:26 م

تجد هذا المقال في اليمن الحر
http://freeyemen.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://freeyemen.net/articles.php?id=305