مخاطر "أسلمة" الصراع السياسي في اليمن
امين الوائلي
امين الوائلي
 

http://www.alwahdawi.net/userimages/thumb/alwily.jpg

  خطب الشيخ الزنداني في اعتصام المعارضة "أمام الجامعة" واعتبره "جهادا في سبيل الله".. ودرءا للمفاسد والفتنة, ننصح الشيخ بإكمال المهمة في "ميدان التحرير" ومخاطبة المعتصمين بالمثل.. وما إذا كان هذا أيضا "جهادا في سبيل الله"؟!

لماذا ظهر "السويدان بدون "وسطية"؟!

 

مخاطر "أسلمة" الصراع السياسي في اليمن

 

تساءل كتاب وصحافيون ومتابعون عاديون حول موقف طارق السويدان "العدائي" -كما وصفه البعض- من الأوضاع والتطورات الداخلية في الشأن اليمني, بعد تداول المواقع وبعض الفضائيات تصريحات مسجلة للسويدان بهجوم مركز وتحامل واضح حاول النيل من مكانة الرئيس علي عبدالله صالح والخوض في الشأن اليمني بطريقة حملت الكثير من علامات الاستعداء والقصدية المباشرة في التحريض والإساءة مع سابق اصرار؟!

ولكن لماذا السويدان؟ ولماذا الآن؟ وأين رهن "قميص الوسطية" فظهرت عورته هكذا؟ّ!

كنت أفضل تجاهل أمر السويدان طارق, او "الداعية الاسلامي" كما يحب ان يُدعى ويصف نفسه بهذا الوصف, وعدم اعطائه أهمية أكبر مما يستحق خصوصا اذا راجعنا تأريخ الرجل وسيرة تحولاته وتبدلاته الموقعية والموقفية في الخارطة الفكرية والدعوية خلال السنوات الماضية (ما قبل وما بعد 11 سبتمبر الاسود 2001), وحجم الانقلاب الذي قطعه من اقصى اليمن الى الوسط, ثم يمين الوسط حتى انه كانت له طلعات في بعض المرات ذهب فيها أبعد من ذلك كواحد من عتاولة اليسار المتطرف ليتساءل بعض مريديه السابقين إن كان السويدان ندم على محاربته للشيوعية, ويعتذر لها الآن؟!

إلا أن تصريحات السويدان الاخيرة قامت حولها أوهام كادت تلحقها بالاجتهاد وتخلع عليها مسوح القداسة وتحولها الى فتوى دينية ملزمة بمستوى النص الذي لا اجتهاد معه وحقه التسليم والايمان. اضافة الى آراء وتعليقات متباينة, بعضها حمل استياء وعبر عنه بطرق مباشرة ولم يصل الامر به اعمق من ذلك, الاستياء المعبر عن الرفض لم يتحول الى نقاش تحليلي متعمق في الخلفية الفكرية والسياسية (الايديولوجية) التي ينطلق منها السويدان في تصريحاته ومواقفه الغامرة بالحنين الى مرجعيته الاولى والجذر الحركي/الاصولي الذي تغذى منه في بواكير نشأته وتدرجه الحركي وصولا الى حالة التشدد التي وسمته وميزت خطابه الدعوي ومنهجه الفكري, قبل ان يقرر مغادرة هذه الشخصية الى حالة الرجل "الوسطي" فيما بعد 11/10/2001 وهو تحول مفهوم وتوجه اجباري سار فيه كثيرون بأمل التبرؤ من الجماعات والتنظيمات والحركات الارهابية التي لطالما تقاسمت قبل ذلك فكرة سياسية واحدة ومرجعية اصولية متشابهة اذا لم تكن متحدة- واحدة!

لم يجد هذه المرة صاحب فضائية الرسالة حرجا او مانعا من التخلي عن لسان وبيان رجل الوسطية الحريص على الحكمة والموعظة الحسنة ولم يتحرج ابدا من الخوض في خلافات سياسية وقضايا خلافية لا تخص الداعية الخليجي الحريص على أناقته ووسطيته وبراءته من دماء ضحايا التطرف والتشدد والتحريض والارهاب الاصولي: ما لم يخطر على بال جمهور رجال وسطية ما بعد هجمات سبتمبر وحرب افغانستان الثانية, ان هؤلاء متأهبون دائما لاستعادة جذوة الخطاب الاصولي المتشدد والمتواري خلف ستارة خطاب اضطراري طارئ وشخصية تحاول بمشقة ان تظهر حداثية امام العالم.

كانت لدى السويدان طارق حالات كثيرة للإفادة برأيه ونصحه خصوصا في الشأن السياسي وقضايا الحكم والتعددية والمدنية غير اليمن وأولى به كما انه بها اولى. لكن الداعية لم يجد بُدا من حشر أنفه والدخول على خط الشأن المحلي اليمني وتقديم خدمات مفضوحة لمصلحة طرف بعينه في المعادلة اليمنية وهكذا عدنا الى مرجعية الحركة الاصولية المتمددة والمتعددة, صاحبة مشروع "أسلمة الدولة العربية والاسلامية" وحاملة برنامج فكرة "الدولة- الخلافة"!

وليس مجهولا او مستبعدا عن القراءة الواقعية لخارطة المشهد العربي وتحولاته في هذه المرحلة ان جماعات الاسلام الحركي- بمختلف مسمياتها وتمظهراتها الحزبية والفكرية والخطابية وهي الاكثر انكبابا على استثمار هذا الواقع وأحداثه وتوجيهها ومضاعفة حالاتها للوصل الى سانحة تجميع الحالات المتعددة في حالة واحدة, مظهرها الأكمل يتحصل أخيرا في دولة الخلافة.. وشعب الامة!

بهذه الصيغة والطريقة يفكر فاعلو الخدمات ومنتجو الخطابات الدعوية المتساوقة مع الاحداث والفتاوى السياسية المحرضة على العنف والمسوغة بلسان فقهي احترف الفتوى الوظيفية لفعل الانقلاب والانقضاض والاجهاز واهتبال الفرص.

استعاد السويدان صاحب قناة "الرسالة" الفضائية رسالته الاولى وخطابيته الاولى التي اودعها محاضرات وكتيبات ورسائل واشرطة تعود الى ما قبل ايلول سبتمبر 2001م, كأنه نشط من عقال واستفاق من غفوة ممتدة؟ الداعية الوسطي والاعلامي الحريص على تكريس لغة "الحوار والتفاهم والاقناع والموعظة الحسنة" في برامجه المتلفزة والمصنعة بعناية دعائية لجمهور شاب في معظمه عبر البلدان والقارات لم يعد حريصا على ألفاظه وخطابه ولم يجد صعوبة تذكر وهو يستعرض مواهبه الاصلية في الحشد والتعبئة, التحريض واستنهاض الشعب اليمني ضد الرئيس صالح أوشك السويدان ان يفتي بالجهاد في سبيل الله, وقد فعلها واكثر بطريقة أو بأخرى!

كلام وخطابات "الثنائي" بن لادن, والظواهري, السياسية لا تكاد تخرج عما قاله السويدان والفارق ان هذا الاخير يضيف بعض البهارات الى خطابه الاصولي المتشدد والمحرض على العنف, مثل استخدامه -من حين لآخر- كلمات "الديمقراطية, التعددية, الحق الدستوري, الدولة المدنية" على سبيل التجمل او كما يجوزون "ناقل الكفر ليس بكافر". أما بن لادن والظواهري فيتحدث ان صراحة ودون تجمل أو مواربة!

لم يفعل السويدان ما فعل من تلقاء نفسه, لم يكن يتطوع, لقد انتدب لمهمة محددة وفي توقيت محدد وخاص جدا, تلك اللغة والجرأة والعدائية الشديدة والتحريض العلني تجعل الامر اكثر من مجرد صدفة!

للزنداني.. نصيحة واجبة

جاء ذلك قبل أو بعد- مظاهرات واعتصامات المعارضة بأنها "جهاد في سبيل الله" بقليل! كان الشيخ عبدالمجيد الزنداني قد خطب في جمهور الاصلاح والمشترك امام جامعة صنعاء خطبة دينية بامتياز وسياسية بامتياز, واخوانية بامتياز, لم تكن تلك صدفة او ضربة لازب, بدا كل شيء متناسقا ويكمل بعضه بعضا, امتدح الزنداني الفعاليات الاعتصامية ومطالبها وانعم عليها بالمزيد من المديح والثناء والتمجيد, كان هذا من رجل دين بمنزلة الزنداني, يعني فتوى كاملة وصريحة, بل وتلزم من بقي من المسلمين الالتحاق بها!؟

أليس هذا كثير؟! ربما لكن المؤكد هو ان الموضوع خرج من السياسي ومن السياسة ودخل في الديني وفي الدين, صار النقاش دينيا بحتا: الحلال والحرام , الواجب, المنكر. واخيرا قالها الشيخ صراحة: إن هذا "جهاد في سبيل الله"!! بربكم: ومن لا يحب من المسلمين او اليمنيين المشاركة بالجهاد في سبيل الله والحصول على أجر وثواب مجاهد!

عند هذه النقطة والمرحلة تغير كل شيء, لقد دخلنا فعليا في مجال آخر وخطير: الصراع اكتسب بعدا عقائديا ودينيا هذا يعني اننا بإزاء جهاد ومجاهدين في سبيل الله من جهة.. ولا جهاد ولا مجاهدون من جهة أخرى. لم يقل هذا الكلام والاسباغ الديني في ميادين أخرى مقابلة, كان عشرات الآلاف ومئات الآلاف في ميدان التحرير يتظاهرون ويعتصمون, لم يذهب اليهم الشيخ الزنداني ليمتدحهم ويمتدح فعلهم السلمي وليؤكد لهم بأن هذا "جهاد في سبيل الله"!

صار الامتياز الديني يرجح كفة ميدان سياسي ويقويه ضد ميدان آخر هنا.. وهنا تحديدا صار يجب ان نضع ايدينا على قلوبنا وندعو بالسلامة واللطف. الشأن المدني السياسي اكتسب وقودا زائدا وخطيرا مباشرة بعد ساعات كان سائق تاكسي يحدثني:"ماذلحين قدهي فتوى دينية من علماء. مافيش كلام.. هذا جهاد يا صاحبي, مالك أنت؟!"!

درءا للمفاسد والتأويلات الفاسدة ودرءا للفتنة وانصافا لليمن واحقاقا للحق: ادعو الشيخ عبدالمجيد الزنداني الى اكمال الجهد واعطاء كل ذي حق حقه والنزول الى المتظاهرين في ميدان التحرير والحديث اليهم بالمثل وامتداح "سلمية" الفعاليات والامر متروك له في اعتبار ما اذا كانت هي الاخرى "جهاد في سبيل الله" أم لا؟ فهذا الامر من الدين لا نخوض فيه ولا نتجاوز على العلماء حقهم وأماناتهم ونحتاج ان نسمع منهم ولهم منا النصيحة فقط, فالدين النصيحة وها نحن نفعل!

أخشى ان البعض لن يجد وقتا لاستفصال مجمل عبارة الشيخ وطالما وهو "جهاد" فإن البعض لا يمانع ولن يتورع عن تمديد او توسيع وسائل وادوات الجهاد ومقتضياته بما يكفل احدى اثنتين "النصر او الشهادة"؟!

جهد العلماء وسعيهم في الاصلاح والتوفيق مشكور ومحمود دون شك, انما من الاصلاح والتوفيق ايضا عدم تمييز وتفضيل ميدان على آخر, وإلا فلم يعد الحديث عن اختلاف سياسي في وجهات النظر فقط كما يقال وصرنا نتحدث عن سجال ديني بحت وخلاف قيل عن فعل طرف فيه أنه "جهاد"؟!

 
في الخميس 17 مارس - آذار 2011 12:03:52 ص

تجد هذا المقال في اليمن الحر
http://freeyemen.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://freeyemen.net/articles.php?id=274