الأربعاء 28 أكتوبر-تشرين الأول 2020 : 11 - ربيع الأول - 1442 هـ
د. أحمد العباسي
طباعة المقال طباعة المقال
بحث

  
أقسام الشرطة..أوضاع متردية ..تحديات جسيمة .. وإصلاحات عاجلة!
بقلم/ د. أحمد العباسي
نشر منذ: 6 سنوات و 6 أشهر
الأحد 27 إبريل-نيسان 2014 10:16 م

لابد من التأكيد في البداية على الدور الوطني الذي تضطلع به المؤسسات الأمنية في بلادنا بشكل عام ، وهو أمر يوجب علينا تقديم خالص التقدير والاحترام لكل رجال الأمن المخلصين الذين يسهرون ويضحون من أجل أن ينعم الوطن والمواطن بالأمن والسكينة.

وقد بدأ الأمل في تحسن الأوضاع الأمنية يزداد منذ تعيين اللواء الترب وزيراً للداخلية مؤخراً، والرجل بدأ عمله بروح وطنية عالية تجعلنا جميعا ملزمين بتقديم العون له والعمل سوياً - كل من موقعه- للنهوض بواقع المؤسسات الأمنية باعتبارها أساس التنمية والاستقرار.

ويهدف هذا المقال إلى التركيز على جوانب الاختلال والفوضى التي تشوب عمل إحدى المؤسسات الأمنية المهمة وأخص هنا "أقسام الشرطة" وما تعيشه من أوضاع متردية وبائسة تجعلها عاجزة عن القيام بمهامها الوطنية بكفاءة ونزاهة بل إن هذه الأوضاع قد تسببت في كثير من الإحباطات والتي أدت بدورها إلى انعدام ثقة المواطن في هذه المؤسسة المهمة والتي تمثل هيبة الدولة وسياج القانون ويعول عليها في حماية أعراض الناس ودمائهم وأموالهم باعتبارها ذات علاقة مباشرة مع المواطنين في الأحياء والمدن والتجمعات السكانية.

ولعل ما دفعني لكتابة هذا المقال هو أنني قمت بزيارة بعض أقسام الشرطة في العاصمة وتذكرت في نفس الوقت وضع أقسام الشرطة في بعض البلدان التي زرتها ومنها "ماليزيا" حيث شاءت الأقدار أن أذهب - ذات يوم - إلى أحد أقسام الشرطة لتقديم شكوى ضد صاحب البيت الذي طلب مني إخلاء الشقة لخلاف بيننا..... وأصدقكم القول أنني نسيت القضية الرئيسة حينها أثناء وجودي في قسم الشرطة الماليزي، وشرعت أقارن بينه وبين أقسام الشرطة في اليمن ...وبعد التأمل والتفكير شعرت بألم وإحباط لا مثيل له ... فأقسام الشرطة في بلادنا لا ترتقي إلى مدلول هذا المسمى (شكلاً ومضموناً)، فلا مبنى مشرف ولا إمكانات ولا خدمات ولا... ولا.......

عندما تدخل قسم الشرطة في كثير من البلدان ، تشعر وكأنك تدخل بنك أو مؤسسة ... ففيه كل وسائل احترام الإنسان (المواطن والموظف، الذكر والأنثى - والحدث) ، وأما أقسام الشرطة في بلادنا فأترك الحديث لكم -- قراءنا الكرام - فأوضاعها لا تخفى عليكم.

ولعلنا ندرك جميعا أهمية استتباب الأمن والسكينة في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها البلاد وخصوصاً بعد الانتهاء من أعمال مؤتمر الحوار الوطني الشامل بمخرجاته التي لا يمكن أن تطبق في الواقع إلا إذا قامت المؤسسات الأمنية - ومنها أقسام الشرطة - بدورها بكفاءة ووطنية وإخلاص. ومن الملاحظ أن اهتمام الحكومة ووزارة الداخلية بأقسام الشرطة لا يرتقي إلى المستوى المطلوب ، وسنذكر هنا بعض جوانب القصور والإختلالات التي تشهدها أقسام الشرطة في بلادنا والتي تتطلب معالجات سريعة وإصلاحات واسعة للنهوض بهذه المؤسسة التي أصبحت عبئا على المواطن ومصدرا للإحباط والشعور بعدم هيبة الدولة والقانون لما يلمسه المواطن من تعامل غير مسؤول من قبل الكثير من أفراد أقسام الشرطة في ربوع وطننا الحبيب الذي يحلم بالأمن والاستقرار، ومن هذه الإختلالات وجوانب الفوضى ما يلي:

يشعر المواطن منذ الوهلة الأولى عند دخوله قسم الشرطة بأنه في مكان لا يتوفر فيه الأمن والسكينة نظراً للمضايقات والابتزاز والتعامل غير المهذب الذي يلقاه من بعض المحسوبين على هذه المؤسسة وهم غير أهل للعمل فيها.
مباني أقسام الشرطة في البلاد لا تشعرك بهيبة المؤسسة الأمنية، فقلما تجد قسما نموذجيا في مبناه وبنيته التحتية ، فمعظم أقسام الشرطة مستأجرة (شقق أو دكاكين ) ولا تتوفر فيها وسائل وإمكانات الحصول على الخدمة الأمنية ، بل إن كثيراً من هذه الأقسام تنتهك فيها أبسط حقوق الإنسان فيما يخص سجون الأقسام والخدمات الأساسية من كهرباء وماء وغيرها. 


من النادر أن تجد في اليمن قسم شرطة يقدم لك خدمة أمنية مجانية وخاصة إذا ما استدعت الحالة خروج طقم عسكري أو ضباط للتحقيق في حادثة سرقة أو عراك أو ما شابههما ... فلا بد من شراء الخدمة الأمنية للحصول عليها ... وهنا نستطيع القول بأن من يدفع أكثر قد يحصل على استجابة وخدمة أمنية أفضل من غيره.


تجهيزات أقسام الشرطة وأثاثها ومعداتها تكاد تكون منعدمة، فقلما تجد قسم شرطة تتوافر فيه النظافة والنظام والمكاتب اللائقة ووسائل العصر الضرورية من أجهزة كمبيوتر وغيرها والتي تساعد على تقديم خدمة أفضل ..فلا زالت الوسائل التقليدية هي السائدة في الكثير من أقسام الشرطة. 


افتقار أقسام الشرطة إلى الموارد المالية المناسبة والكافية والتي تمكنها من تقديم خدمة أفضل للمواطن دونما ابتزاز ومضايقة له. 


يشكو الكثير من مسؤولي أقسام الشرطة من ضآلة الرواتب والمكافآت التحفيزية والتي تؤدي بالتالي إلى شعورهم بعدم الرضا وقد يلجأ بعضهم إلى الممارسات الخاطئة مثل الرشاوي والابتزاز وما شابه ذلك. 


ضرورة التدوير المستمر لموظفي الأقسام بحيث لا يبقى مسؤولو الأقسام لسنوات دون تغييرهم إلى أماكن أخرى. وهناك ضرورة عاجلة في الوقت الحالي لإجراء تغيير وتدوير شامل لكل أقسام الشرطة في البلاد وخاصة بعد الأحداث المؤسفة التي شهدتها البلاد العام المنصرم ، حيث كان لأقسام الشرطة دور ملحوظ في التعامل مع أحداث العامين 2011-2012، وشاب عملها الكثير من الاختلالات، واختلف الكثير من الناس حول أداء هذه الأقسام ومدى التزامها بالحيادية.

وبناء على ذلك فيجب القيام بتغيير شامل لكل أفراد أقسام الشرطة وتعيين مدراء أقسام شرطة من جيل الشباب خريجي الكليات المتخصصة والمؤهلين والأكفاء للقيام بواجبهم الوطني بطريقة تخلق الثقة وترسخها بين أفراد الشرطة وجموع المواطنين. 


إصلاح أوضاع أقسام الشرطة وكيفية النهوض بها وتعزيز دورها الأمني :

إن الحديث عن أوضاع أقسام الشرطة ونقدها وتقييم أدائها أمر ضروري لإصلاحها وتطوير أدائها، ونشير هنا إلى أن هذا النقد لا يقلل من مكانة هذه المؤسسة الأمنية ودورها. وبناء على ما سبق فإننا نود هنا أن نلفت انتباه القائمين على هذه المؤسسة وأن نحثهم على ضرورة الاهتمام بتطوير وإصلاح هذه المؤسسة المهمة وتمكينها من القيام بدورها الحيوي في حفظ الأمن والسكينة العامة، وأقترح هنا قيام الجهات المسؤولة في الحكومة بالخطوات والإصلاحات التالية للنهوض بدور الأقسام وذلك على النحو التالي:

- ضرورة إعادة النظر في اللوائح والتشريعات والقوانين المنظمة لعمل أقسام الشرطة بما يجعلها تتواكب مع المستجدات والمهام الملحة والعمل على إرساء العمل المؤسسي المهني فيها بعيداً عن الدور التقليدي للأقسام. 


- ضرورة الاستفادة من تجربة بعض الدول في هذا الخصوص والكف عن الاجتهادات الخاطئة والترقيعية ، فالدول الراقية هي التي تستفيد من تجارب الآخرين وتبدأ من حيث انتهوا، ولا عيب في ذلك، بل العيب أن تظل أقسامنا بهذا الوضع المزري الذي يسيء إلينا جميعاً. 


- اعتماد الميزانيات المناسبة والكافية لهذه الأقسام وإيجاد موارد ذاتية تتعلق بالخدمات التي تقدمها للمواطنين وتنظيم عملية تحصيل الرسوم وما شابه ذلك بما يعود بالنفع على الأقسام وبطريقة شفافة تخضع للرقابة من الجهات المعنية وتحمي المواطن من الابتزاز. 


- تحسين مرتبات وأجور ومكافآت العاملين في أقسام الشرطة والاهتمام بهم وتقديم كل الرعاية لهم ولأسرهم مما سيشجعهم على القيام بواجبهم بأمانة وإخلاص. 


- تطبيق مبدأ الثواب والعقاب فيما يخص أداء العاملين في الأقسام ومحاسبة كل من يخل بعمله أو ينتهك حقوق المواطنين واعتبار ذلك عملاً يستوجب المحاسبة القانونية. 


- توفير الإعتمادات اللازمة لتجهيز مبان حكومية مناسبة تليق بهذه المؤسسة بحيث تكون مباني أقسام - الشرطة نموذجية وموحدة ومتميزة وتتوافر فيها كل الخدمات ( للنساء والرجال والأحداث ) بما يكفل حقوق المواطنين وكرامتهم ويشعرهم بوجود هيبة ومكانة للدولة.

- توفير الكوادر الشابة المؤهلة في هذه الأقسام من خريجي الكليات الأمنية والعسكرية المتخصصة وعقد الدورات التدريبية لمنتسبي هذه المؤسسة من وقت إلى آخر سعياً لتحسين أدائهم وتطوير مهاراتهم. 


- اعتماد الوسائل الحديثة في الإجراءت الأمنية وعملية التوثيق للقضايا الأمنية وضرورة وجود شبكة معلومات حديثة تربط هذه الأقسام بالمؤسسات الأمنية الأخرى لما لذلك من أهمية كبيرة في إرساء أسس الأمن والاستقرار. 


- توعية الناس والتنسيق مع الجهات المختصة في وزارة الإعلام والمؤسسات التعليمية من أجل تحقيق التعاون البناء بين هذه المؤسسة وبقية المكونات المجتمعية والمنظمات الحقوقية والعمل على إيجاد الثقة بين هذه المؤسسة والمجتمع.

 
- ضرورة توعية المواطنين بواجب الإبلاغ عن أية انتهاكات أو تعسفات قد يتعرضون لها في هذه الأقسام بحيث يتم تحديد أرقام تلفونات أو البريد الإلكتروني أو الفاكس الخاصة بالجهة أو غرفة العمليات المرتبطة مباشرة بمكتب وزير الداخلية ، ويتم إيضاح ذلك في مداخل أقسام الشرطة في لوحة خاصة. 


- تجريم الممارسات الحزبية والقبلية والجهوية أو المناطقية لأفراد قوات الأمن في الأقسام أثناء أدائهم لأعمالهم، بحيث يتم معاقبة كل من يستغل منصبه لممارسة الابتزاز أو الترهيب أو الانحياز إلى أي طرف دون طرف أثناء عملية فض النزاعات بين الناس. 


- تكريم المبرزين والمخلصين في أعمالهم من ضباط وأفراد الأمن العاملين في الأقسام سنوياً وتحفيزهم على بذل المزيد من الجهد لخدمة أمن الوطن والمواطن.


هذه بعض المقترحات والإصلاحات التي لا أظن أن الجهات المسؤولة غافلة عنها، غير أنني أحببت أن أطرحها أمامهم وأمام القراء الكرام لنعمل سوياً من أجل تعزيز دور هذه المؤسسة الأمنية الحساسة وتطويرها والنهوض بها لتتمكن من أداء رسالتها في تحقيق الأمن وإرساء دعائم السكينة العامة...... وأملنا - بعد الله - كبير في أن تلقى هذه السطور آذاناً صاغية وصدوراً رحبة من قبل الجهات المعنية ، سائلين المولى عز وجل أن يوفق كل القائمين على المؤسسات الأمنية إلى كل خير وأن يحفظ بلادنا من كل سوء وأن يمن على هذ البلاد الطيبة بالأمن و الاستقرار و الازدهار...والله من وراء القصد.

*جامعة صنعاء

تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع اليمن الحر نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى كتابات
كتابات
ريا أحمد
عن الدين الجديد ورسول قال ما لم يقُله..!!
ريا أحمد
د. حسين العواضي
الهروب إلى بعيد!!
د. حسين العواضي
بشرى عبدالله
لماذا لا يتوحّد المعارضون الجُدد..؟
بشرى عبدالله
أ. حسن أحمد اللوزي
أين الوطن وأهله من المصالحة الوطنية الشاملة ؟
أ. حسن أحمد اللوزي
د. عمر عبدالعزيز
مائة عام من العزلة..!
د. عمر عبدالعزيز
د. علي العثربي
عيب الأقوال
د. علي العثربي
المزيد