الجمعة 25 سبتمبر-أيلول 2020 : 8 - صفر - 1442 هـ
ريم عبدالغني
طباعة المقال طباعة المقال
ريم عبدالغني
دعوة لا تنسى
دعوة لا تنسى

بحث

  
على آخر نفس
بقلم/ ريم عبدالغني
نشر منذ: 9 سنوات و 8 أشهر و 5 أيام
الأربعاء 19 يناير-كانون الثاني 2011 10:26 ص

http://www.samaa-news.com/images/reem.JPG حينما وصلنا إلى الفندق كان علينا ان نرتب حاجياتنا وننام ولا أطنني نمت تلك الليلة

كانت الفكرة تثيرني وتتعبني .. انأ في صنعاء القديمة القديمة .. أريدها كلها .. كظمآن صحراء على مشارف واحة ..

من نافذة الفندق تبدو صنعاء القديمة حلماً ... تستلقي هنا منذ سبأ قبل أكثر من الفى عام منذ بناها كما يقال سام بن النبي نوح ..

وصنعاء .. او أزال وكلاهما بمعنى الحصينة المنيعة [1]– متخف بحجم مدينة .. مجسم عملاق يشبه المجسمات الحصينة الصغيرة لعمارتها العجيبة التي طالما فرحت بها مختبئة بين أكياس الزبيب واللوز وأطواق العقيق وعلب العسل وهدايا القادمين من اليمن ..

كانت الفكرة التي أرضتني من اين ابدا اولاً وكيف استطيع ان ارى كل شيء في بضعة ايام ؟ ثانيا .

اذان الفجر .. بداية يوم جديد ..

حينما طلع الصباح اخيراً كنت قد وجدت جواب السؤال الاول سابدا من خارجها حتى اصل قبلها .. كي استوعب تدريجيا جمالها

من خارجها أي من قصر دار الحجر وشبام كوكبان .. وقبلهما من فوق جبل عصر

**** 

المعماري بشكل خاص لا استطيع التفاهم مع مدينة لم ير مخططاتها او صورتها الجوية لم يشرف عليها من علوا ... كان لا بد اذا من صعود جبل عصر الذي يحتضن صنعاء لاراها ككل فافهمها .. كما احتوى دمشق كلها وافهمهما اكثر من فوق جبل قاسيون ..

ومنظر صنعاء من الاعلى مختلف .. مخطوط فريد لكاتب خناق عاشق التفاصيل ..

من علياتها .. تطل صنعاء بكبرياء على الهضاب والجبال .. مرآة لمبدعها .. ممثلة بذاتها .. متميزة عن قربناتها .. السهل الممتنع .. اذا يعسر اختراقها لكنك تمتلكها حين تجيد قراءتها ..

من هذا المكان مارست متعتي كمعمارية في استشفاف خطوط وجه المدينة حاولت ان ارسم بذهني الملامح العامة لشخصيتها وهذا ما لا اقر عينا في أي مدينة ازورها حتى افعله .. أحببت نسيجها المتلاحم الحميم كمعظم المدن العربية القديمة ولفت نظري تخلله بفراغات واضحة بعضها خضراء وبعضها ساحات.

اما البساتين الخصراء فقد عرفت لاحقاً انها مقاشم

  المساجد التي تمدها بمياه الابار وتستوعب تصريف مياها وغالبا ً ما تضم اشجاراً مثمرة كالتين والمشمش وانواع الخصار التي يستفيد منها سكان الحارة المحيطة بالمسجد .. رئات للأحياء الصنعانية المكتظة يمتع الجالسون في المفارج بطبيعتها الخضراء انظارهم.

أما الساحات فتتوسط الاحياء والساحة او الصراحة او الرحبة تسمى عادة باسم الحي او حارته الكبرى وهي ميدان اجتماع الاهالي للتشاور وحل المشاكل ومكان زفه العريس وبداية تشييع الجنائز ومحط الاحمال عن الدواب وساحة لعب الاطفال وتجمعات الاسياد والمناسبات .. وهي كذلك ميدان لترويض الخيول الصغيرة وتعقير الحمير وتجميع الماعز قبل سراحها الى المراعي خارج المدينة.

نتمهل في نزولنا من الجبل لقراءة الفاتحة امام صرح الشهيد المصري الذي بنى تخليداً لمئات من شهداء الجيش المصري الذين حاربوا في اليمن الى جانب الجمهورية في حربها ضد الإمامة في بداية ستينيات القرن العشرين 4.

وفوق نقم ايضاً شهد النصب الصيني تكريماً للكثير من مهندسيهم وعمالهم الذين قضوا في اليمن والصينيون بالمناسبة هم ابطال شق الطرق في هذا البلد ذو التضاريس الوعرة ابتسم وقد توارد الى خاطري ما رواه لي صديق يمني حول مهندس صيني عمل لفترة طويلة في مشاريع البنى التحتية في اليمن .. كان شائغ المهذب يرد دائماً على عبارات التقدير

اليمنية بقوله "نحن نتألم منكم" وهو يقصد "نحن نتعلم منكم" لأنه - كصيني – لم يكن قادراً بالطبع على نطق حرف العين 5 . وبعد ان خبرت نفسي بعض تلك الطرقات الضيقة المعلقة على اطراف الجبال اليمنية الشاهقة حيث لا تكاد تجرؤ على النظر على الاسفل.. فأنا شخصياً أمي الى الاعتقاد أن شانغ وزملاءه ربما كانوا يقصدون المعنيين معاً.. ويستحقون منا ان نترحم على ارواحهم.

*****************

اختطت صنعاء لنفسها أسوة بكثير من المدن الكبيرة طريقاً عريضاً يحيط بها دائرياً سواراً يسّهل على الناس التنقل بين اطرافها دون ولوج قلبها المزدحم نستقله اليوم في مشوارنا الى قصر دار الحجر على بعد 14 كم شمالي غرب صنعاء .

قصر منا - منذ ثلاثمائة سنة – على صخرة جراتينية ضخمة (ولذلك سمي بدار الحجر) في سفح "وادي ظهر" حيث تلتقي السيول لتخلق واحة خضراء تزينها بساتين الفاكهة ولا سيما الرمان وتجري من تحتها الجداول والسواقي والوادي - الذي اصطفاه الملوك والحكام منذ القدم منتحعاً لما يتمتع به من جمال وتنوع طبيعي – عرف الكثير من القصور 6 التي بناها حكام اليمن المتعاقبون.

يتدرج قصر دار الحجر بأدواره السبعة متناغماً مع تكموين ا الصخرة الطبيعي بين جنباتها نحتت حجراته الـ35 بنقوشها البديعة وزخارفها الملونة وفي اعماقها حفرت المخازن الارضية والدهاليز المزدانة بالاعمدة والعقود الجحرية وكذلك الادراج المتعددة ببراعة ودقة واتقان عجيب..

وفي "المفرج" البهو الواسع.. بسقفه العالي الذي زينت إطاره الزخرفة الخصية المتقنة حيث اعتاد الإمام ان يجلس وضيوفه لطلّوا من النوافذ الواسعة على الاحواض المائية المدرجة المبنية بإحكام هندسي من صخور "الحبش الاسود" وما تحتها من مساحات خضراء شاسعة تذيل رداء الصخرة العملاقة ، هناك .. جلست مبهورة أتأمل كيف تخلد العمارة تاريخ الحكام والملوك والشعوب وتعكس مفاهيم وقيم عصورهم فيذهبون وتبقى اصدق ما يعبر عنهم على رأي الصنوبري 7 .

منازل قوم حدثتنا حديثهم  ولم ار احلى من حديث المنازل

في اواخر القرن الثامن عشر الميلادي وبأمر من ملك اليمن حينها الامام المنصور علي بن العباس قام المعماري والفلكي والشاعر علي بن صالح بتصميم دار الحجر او - قصر الرمان كما يدعونه – على انقاض معبد قديم ومن يومها يحيك اليمنيون حول هذا القصر الضخم الذي طالما صمد في حالات الطوارئ بما فيه من آبار ومخازن مؤن تؤهله للإكتفاء الذاتي – عديد من الخرافات 8 ويطلقون عليه اسم "قصر العجائب" معتبرين اولى اعاجيبه الكثيرة موقعه المحصن وبوابته الكبيرة بشجرتها الوارفة المنتصبة على يمينها منذ اكثر من 700 عام.

اما انا فأضع في مقدمة اعاجيبه سحره وجاذبيته التي تغري السياح فتقنعهم بالاقدام على تسلق كل تلك السلالم المتعرجة اللامتناهية من أسفل المبنى المدهش الى اعلاه بحماس وإقدام وكم أسعدني ان نزولها لم يحمل مشقة الصعود .. فالحق - لا اخفيكم – اني كنت قد وصلت اعلى القصر "على آخر نفس"..

---هوامش --------------------------------------

1 . صنعاء مصنعة , مصانع , مصنعة , معناها حصون باللغة الحميرية القديمة وفي القران الكريم ويشيدون مصانع لعلكم تخلدون.

2. المقشم: بستان ملحق بالمسجد يكون فيه بئر الماء وتصرف اليه المياة المستخدمة ويستفيد من نتائج ا شجاره

3. المفرج: غرفة مخصصة للاجتماعات وتناول القات عادة في البيت الصنعاني تطل نوافذها الواسعة عل الاطلاله الاجمل من المنازل الذي تكون عادة في اعلاه

4. ارسلت مصر كتيبة قوات خاصة مصرية صاعقة مهمتها حراسة العقيد عبدالله السلال تم تسارعت الاحداث ووجد عبدالناصر نفسه مضطراً لارسال المزيد من القوات لمواصلة دعم الثوار وتصاعد عدد القوت المصرية في اليمن من 5000 جندي عام 1963م الى 55000 الف جندي مصري في نهاية عام 1965م وقد تصاعدت التحذيرات معارضة ارسال القوات المصرية الى اليمن ومقترحة الاستعاضة بدعم الضابط الاحرار اليمنيين بالمال والسلاح تم انسحب الجيش المصري عام 1967 بعد اكتمال مهمته في اليمن

5. حتى في اليمن هناك مناطق لا ينطقون حرف العين بها كسكان تهامة (الحديدة)

6. وابرزها قصر فدة في جنوب الوادي وهو القصر الذي هدمه الاتراك بعد قدومهم الثاني الى اليمن منتصف القرن التاسع عشر وقصر دورم وقصر منيف غربيه ولا تزال آثارها باقية حتى اليوم.

7. الصنوبري: شاهر بلاط سيف الدولة ، القرن الرابع الهجري، يعتبر شاعر الطبيعة الاول في التاريخ العربي ، توفي عام 334 هـ.

8. بعض المسنين من ابناء المنطقة يقولون ان القصر ظل بعد مقتل الامام المنصور فيه مهجوراً لسنوات طويلة وذلك يعود الى الاعتقاد الذي سيطر على الأئمة المتعاقبين على حكم اليمن، وهو ان هذا القصر "نحس على الأئمة" وعلى الرغم من ذلك بنى الامام حييى - الذي الحكم المين عقب حكم الأتراك – في الوادي قصرين لنفسه وقبل سنوات من وفاته قرر تحطيم الاسطورة فقام بترميم قصر الحجر من جديد وأقام فيه أدواراً إضافية من الياجور (الطوب الأحمر) وشيد الى جواره مسجداً أسماه (مسجد المتوكل) وذلك كي يقيم مع أهله في فضل الخريف من كل عام.

 


 

تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع اليمن الحر نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مقالات
مقالات
علي محمد الخميسي
المادة 112 كمبادرة تاريخية وضرورة ديمقراطية
علي محمد الخميسي
سمير اليوسفي
السقوط في وحل الخيانة
سمير اليوسفي
العرب القطرية
الانفصال وأضغاث الأحلام
العرب القطرية
سمير اليوسفي
تعز عصيّة على مؤامرات العجزة وبهلوانات التحريض
سمير اليوسفي
خالد حسان
احترموا آدميتنا
خالد حسان
د. عبدالعزيز المقالح
الأحداث الإيجابية لعام 2010م
د. عبدالعزيز المقالح
المزيد